
متابعة:
لم يكن إسدال الستار على فعاليات الدورة الثانية لمهرجان “حلالة العربي لفنون القول” مجرد ختام لتظاهرة ثقافية عابرة، بل لحظة فارقة أعادت فتح نقاش عميق حول الهوية الثقافية لمدينة القنيطرة، وحول ما آل إليه المشهد الفني في زمن طغت فيه الرداءة وتراجع فيه منسوب الإبداع الحقيقي.

دورة جاءت تحت شعار “كلام الغيوان جدبة وميزان”، واحتفت بالمبدعة الكبيرة مليكة العاصمي، لتؤكد أن للكلمة الملتزمة جمهورها، وأن الفن الأصيل لا يزال قادراً على فرض حضوره رغم ضجيج الترفيه السطحي و”الهشتك بشتك” الذي احتل الفضاءات العامة وترك فراغاً مقلقاً في الوجدان الجمعي.
والنجاح اللافت الذي حققته هذه الدورة، بقيادة ابن القنيطرة عبد الرحمان فهمي، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية ثقافية واعية اختارت السباحة عكس التيار، ومواجهة ما يمكن تسميته بـ”الفقر الثقافي” الذي حاول طمس ملامح مدينة كانت في زمن غير بعيد مشتلاً للنخب ومختبراً للتمدن.
ومن خلال الجمع بين عمق التجربة الشعرية لمليكة العاصمي وروح “الجدبة والميزان” في المتن الغيواني، نجح المهرجان في استحضار زمن الفن الذي يحمل قضية، ويصنع وعياً، بعيداً عن مهرجانات البهرجة الفارغة التي تفتقر إلى المعنى وتكتفي بالاستهلاك السريع.

وقد شكل الاحتفاء بمليكة العاصمي لحظة رمزية قوية، أعادت الاعتبار لقامات فكرية وإبداعية ساهمت في تشكيل وعي أجيال، ورسخت قيمة الكلمة الحرة والمسؤولة. وهي رسالة واضحة مفادها أن استعادة التوازن الثقافي تمر حتماً عبر رد الاعتبار للرموز، والانتصار للإبداع الجاد، وقطع الطريق على تسليع الفن وتحويله إلى مجرد منتج بلا روح.
واليوم، بعد انطفاء الأضواء وسكون المنصات، تبرز الحاجة الملحة إلى مأسسة مثل هذه المبادرات الثقافية، وجعلها تقليداً قاراً يملأ الفراغ الذي تعانيه المدينة، ويحول فضاءاتها من مجرد كتل إسمنتية صامتة إلى ورشات حية للإبداع والتفكير، فالقنيطرة في أمسّ الحاجة إلى مشاريع ثقافية تحمي شبابها من الانجراف نحو التفاهة، وتعيد وصلهم بجذورهم الفكرية والجمالية.
إن تجربة مهرجان “حلالة العربي”، بما تحمله من غيرة صادقة على المدينة، تؤكد أن العمل الثقافي الحقيقي لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى إيمان عميق بالرسالة، وهي تجربة تقول، بوضوح، إن القنيطرة لا تزال قادرة على النهوض، حيّة بكلمتها، شريفة بميزانها، ومؤهلة لاستعادة مكانتها كقلعة للإشعاع الثقافي والتمدن في زمن عزّت فيه القيم الفنية النبيلة.




